السيد حيدر الآملي
356
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
لأنّ صاحب الكرامات ليس بمتمكّن من التحدّي في كلّ وقت ، بل الكرامات سهل منه في بعض الأوقات من غير اختيار وإن صدر بالاختيار أيضا ، وإذا قبل معجزتهم وتحقّق عنده صدقهم فلا بدّ أن يقبل قولهم ، ويحصل المقصود منه ، هذا إذا كان الشخص عاقلا في نفسه وله تصوّر صحيح ويعرف هذه القاعدة على الوجه المذكور ، ويفرّق بين المعجزة والكرامات والسّحر والكهانة ، فأمّا إذا لم يكن من هذا القبيل ولم يكن له تصوّر ولا تعقّل ، مثل الكفّار والمشركين الّذين أخبر اللّه تعالى بسلب عقولهم وعدم فهمهم لقوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ سورة البقرة : 171 ] . فهناك لا ينفع معجزة ولا كرامات ولا دليل ولا برهان ولا عقل ولا نقل ، وفيهم وفي أمثالهم ورد : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ [ سورة الأعراف : 146 ] . والثاني : إنزال كتاب يكون مشتملا على ترتيب أمورهم في المعاش والمعاد وما بينهما ويبقى بينهم في حياة ذلك النبيّ ولا تهمل الأمور المشكلة والأحكام الشرعيّة في زمان الفترة والغيبة كما قال أمير المؤمنين ( ع ) بالنّسبة إلى نبيّنا ( ص ) : وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها ، إذ لم يتركوهم هملا ، بغير طريق واضح ولا علم قائم كتاب ربّكم فيكم مبيّنا حلاله وحرامه وفرائضه وفضائله وناسخه ومنسوخه إلى آخره . [ نهج البلاغة الخطبة الأولى ] . ( وجوب نصب الإمام على الأنبياء ) ومن هذا وجب أيضا تعيين الإمام ونصبه على اللّه تعالى وعلى الأنبياء والرّسل ( ع ) ليحفظ أحكام الشّرع ويبيّن ما في الكتاب النّازل على النبيّ الّذي هو من قبله كما أشار إليه النبيّ ( ص ) في قوله : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض